سجل الزوار تعاون معنا أخبر عنا اتصل بنا
  
   الصفحــة الرئيســـة
   تعــرف على الشيــخ
   الصوتيــــــــات
   منبــــر الجمعـــة
   آراء ومقــــــالات
   المكتبـــة العلميـــة
   الفتـــــــــاوى
   تواصــل مع الشيــخ

186254748 زائر

  
 


بين يدي رمضان
 
 

التاريخ : 21/8/1430 هـ

منبر الجــمــعـــة

د . سليمان بن حمد العودة

من أسرار شهر الصيام

إن الحمد لله، نحمده ونستعينه..

إخوة الإسلام.. وكم هو عظيم شهر الصيام، وكم فيه من حكم وأسرار، يدرك كل صائم منها بحسب علمه وإيمانه، وتعبده لمولاه، ويكفيه أنه باب مشرع لكل طرق الخير، من صيام، وصلاة، وزكاة، وصدقة، وذكر، ودعاء، وتلاوة، وجود، وإحسان، وصبر، ويقين، واحتساب للأجر العظيم، ويكفيه أنه طريق للتقوى، والتقوى جماع الخير، وسبيل الفلاح والنجاح: {وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ} ، {إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ}.

كم تحجب الشهوات النفوس عن السمو، وشهر الصيام يحطم كبرياء النفس بكسر باعث الشهوة – قلب المعاصي – وهذا كما قال القرطبي، رحمه الله: وجه مجازي حسن في تأويل معنى قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ}.

وقيل: لتتقوا المعاصي (بالصيام)، وقيل: وهو على العموم لأن الصيام كما ورد (الصيام جنة ووجاء وسبب تقوى لأنه يميت الشهوات).

أجل، إن الصيام جنة يتقي بها الصائم عن المآثم والسيئات والهلكات المؤدية إلى النار، كما يتقي المحارب بجنته حين القتال، فيمنعه القتل، ويسلمه من العدو، بإذن الله.

يجسد هذا المعنى رسول الله صلى الله عليه وسلم  في أكثر من حديث ويقول: (الصيام جنة وإذا كان أحدكم صائماً فلا يرفث ولا يجهل، وإن امرؤ قاتله أو شاتمه فليقل: إني صائم – مرتين).

وفي الحديث الآخر يقول عليه الصلاة والسلام: (الصيام جنة من النار كجنة أحدكم من القتال).

وفي الحديث الثالث: (الصيام جنة وهو حصن من حصون المؤمن).

إخوة الإسلام وفي شهر الصيام فرصة للتخفيف من أثقال الأوزار، وفيه تطهير للنفوس من الأدران، وحماية القلوب من الران، وهذه وتلك وقد لا يحس وطأتها إلا من أثقلت نفوسهم المعاصي فضاقت عليهم الأرض بما رحبت، فلما حل شهر رمضان وصاموا مع الصائمين ووقفوا يتضرعون مع القائمين، وبكوا على خطيئتهم وندموا على تفريطهم، وأحسوا بانشراح صدورهم، وخفة في أرواحهم، وإنفراج في كربتهم، وأنس بدل وحشتهم، وكذلك بفعل الصيام وكذلك تنزل الرحمات في رمضان وغير رمضان.

فبشراكم معاشر المسلمين، بشهر الصيام يرتفع فيه المؤمنون درجات وتحط به الأوزار عن أهل السيئات.

ولا يزال الصيام بالمسلم يحوطه ويؤنسه، حتى يكون شافعاً له لدخول الجنة والنجاة من النار يوم القيامة، وكذلك يفعل القرآن، يقول النبي صلى الله عليه وسلم  : (الصيام والقرآن يشفعان للعبد يوم القيامة، يقول الصائم: أي رب إني منعته الطعام والشهوات بالنهار فشفعني فيه، ويقول القرآن رب منعته النوم بالليل فشفعني فيه، فيشفعان).

أيها المسلمون ويدرك من فقه سر الصيام كم لرمضان من أثر على تربية النفس، وعبودية الجوارح بقية العام، ذلكم لأن شهر رمضان يدرب النفس على كثير من خلال الخير، فتحيا المراقبة لله، ويشيع الصدق في النفوس لصدقها مع الله في الصيام واجتناب الآثام، وتتطبع النفوس بالكرم والجود، وتهوى الإحسان إلى المحتاجين، والبر بالأقربين وتتهذب الأخلاق فلا تسمع الآذان الحرام، ولا تنطق الألسنة بالفحش والسب ورديء الكلام، وتربي الأعين على عدم استدامة النظر في الحرام. ذلك كله يهدي العارفين والمدركين لأسباب الصوم أن بإمكان المرء أن يغير من واقعه، وأن الفساد والحرام ليسا ضربة لازم له، وتتحكم أسطورة الشيطان التي يوسوس بها في النفوس حين يوحي لأوليائه بثقل الطاعات وصعوبة ممارسة الخيرات، وعدم القدرة من الانفكاك من أسر الشهوات، وكذلك ينبغي أن يستثمر العاقل هذه التوبة إلى الله، وأن يسارع بتغيير واقعه إلى الأحسن بعد رمضان.

ما أحوج الأمة إلى شهر الصيام يأتي ليحسسها بقيمة الوقت وأهمية ملئه بالطاعات.. والصائم الفطن يقضي سحابة وقته في الذكر والتلاوة والصلاة والتحسر على الوقت يضيع دونما فائدة، وكذلك ينبغي أن يكون المسلم حريصاً على وقته في رمضان وبعد رمضان وأن يتخذ من حفظ وقته في رمضان وسيلة لحفظ أوقاته على الدوام.

وما أحوج الأمة إلى شهر الصيام وهو يجمع الكلمة الواحدة، ويوحد الصفوف، ويؤلف بين المسلمين فتراهم يلتزمون في وقت واحد، وتراهم ينتظرون الإفطار، ويفطر أهل كل قطر في زمان واحد، إنه مذكر بوحدة المسلمين، ودعوة إلى إخوتهم، وتوادهم، ويشوع المحبة بينهم (إنما المؤمنون إخوة). (مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى) وهذه الوحدة تقلق الأعداء وتراهم يسعون جاهدين لتفريق صف المسلمين.. فهل يفقه المسلمون قيمة وحدتهم ويتداعون لجمع كلمتهم.. ذلكم جزء من أسرار شهر الصيام وما يعقلها إلا العالمون.

أيها الصائمون وشهر الصيام فرصة لمزيد من الاهتمام بتربية الأهل والأولاد على البر والإحسان والتقوى، فحثهم على الصلوات، وتغيبهم في الصدقات، وتدريبهم على الصيام، وتشجيعهم على كثرة الذكر وتلاوة القرآن، وسائر الطاعات كل ذلك يسير في التربية الواجبة في كل حال، لأن النفوس لديها استعداد في رمضان أكثر من غيره من مواسم البر ومواطن الدعاء، وقيام الليل، والاستغفار بالأسحار ما قد لا يتوفر مثله في سائر الأزمان، والأب الناصح هو الذي يستثمر الفرص ويذكر بفضلها، والأم الحانية هي التي تشجع على الخير وتؤازر الأب في تربية الأبناء، وإذا وقع في أذهان البعض أن الأبوين المثاليين هما من يوفران للأبناء ما يحتاجون، ويعاملون الأبناء بالحسنى فلا شك أن غفلة الآباء والأمهات عن توجيه أبنائهم وحثهم على الخير في هذه الأيام الفاضلة هو نوع من الغفلة لا تليق، ونتيجته الخسارة لا في الدنيا فحسب بل وفي الدين.. فانتبهوا لتربية أبنائكم وبناتكم على الدوام، خصوا شهر الصيام والقيام بمزيد من العناية والاهتمام.. فذلك جزء من واجبكم في وقايتهم من النار، قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ}.

وفي صلاحهم وتوجيههم نفع لكم في الحياة، وحين ترحلوا إلى الدار الأخرى، فابن آدم إذا مات انقطع عمله إلا من ثلاث ومنها: الولد الصالح يدعو له.. وكم هي م أساة أن ترى الآباء والأمهات في أيام رمضان مع القائمين والراكعين الساجدين… وأبناؤهم يسرحون ويمرحون، وربما حصلت منهم الأذية للمصلين، أو ربما عكفوا وعكفت البناء معهم على مشاهدة ما لا يحل أو سماع ما حرم الله، والزمان زمان رحمة والأيام فاضلة، والدعة مستجابة ومن تذكر فإنما يتذكر لنفسه.. ومن أساء فعليها.

اللهم ألهمنا رشدنا، واهدنا واهد بنا، وتقبل صيامنا وقيامنا، واشرح صدورنا للخير والإيمان، ونور قلوبنا بالقرآن.


الخطبة الثانية

إخوة الإيمان وشهر الصيام شهر المواساة.. ألا ترون الناس أجمع – غنيهم وفقيرهم، ذكرهم وإناثهم، وكبيرهم – يمسكون عن الطعام والشراب وسائر المباحات مع  توفرها عند قوم وندرتها عند آخرين.. أفلا يوحي ذلك للقادرين أن بإمكانهم أن يتنازلوا عن بعض ما يملكون إلى غيرهم من المحتاجين، ولئن نسي المنعمون أو غفلوا عن حوائج المحتاجين طوال العام – وما كان لهم أن ينسوه – فشهر الصيام خير مذكر، وخير داع للصلة والقربى والإحسان، إن المواساة تبدو في شهر الصيام في كثرة إطعام الطعام، وإفطار الصائمين وكم هو مشهد إيماني محبب للنفس هذه الاجتماعات الجماعية على الإفطار، وهذه المشروعات الخيرة – بإذن الله – لإطعام الصائمين تلك التي تنتشر في المساجد أو خارج المساجد، فيشعر المسلم بقرب أخيه منه وحنانه عليه واهتمامه بأمره، وكم في الجلوس مع الفقراء أو الغرباء من معاني الرحمة والتآلف والتواضع والصلة والإحسان، وتزداد عظمة المشهد، كلما زادت مساحة التجمع وكثر المحتاجون وتبلغ قمتها في المسجد الحرام بمكة، أو في الحرم النبوي في المدينة، وكم هي جديرة هذه الوحدة الرمضانية أن تؤلف بين المسلمين، وتجمع كلمتهم في سائر الشهور وسائر البقاع.

ومن مظاهر المساواة – في شهر رمضان – قضاء الدين عن المدينين، وفك الرقاب على الغارمين، وتفريج الكربات للمعسرين، وشهر الصيام يقوي عزائم هؤلاء وأولئك ليهيموا على وجوههم بحثاً عن أهل الخير لسد حاجتهم، وعلى الموسرين أن تطيب نفوسهم بما يجودون به لهؤلاء من صدقات مستحبة فضلاً عن دفعهم للزكاة الواجبة، ولا ضير من التحري والدقة والسؤال والمعرفة ولا سيما في أهل الزكاة والمستحقين لها.

وشهر رمضان فرصة للمواساة مع شعوب العالم الإسلامي… تلك التي أثخنتها الجراح، وعز فيها الطعام، أو قل فيها الكساء، وكم هو مؤلم أن تندس الجمعيات اليهودية، أو الإرساليات النصرانية في ظل هذه الظروف المحرجة للمسلمين فتمدهم بالطعام والكساء، أو توفر لهم الشراب أو الدواء، كل ذلك حتى تغزوهم بالأفكار وتقدم لهم المبادئ الكافرة، وتصرفهم عن الإسلام الحق.

أو ليس في غفلة المسلمين عن إخوانهم فرصة لنجاح مهمة هؤلاء الأبالسة الماكرين.. أو لسنا جميعاً نتحمل مسؤولية أي انحراف يقع نتيجة تراجعنا عن المساعدات الواجبة وتقدم غيرنا؟ أما من يتضور جوعاً، أو يتقلب في قمم الجبال الباردة، ولا يتوفر عنده ما يقيه شدة البرد، فتلك مسؤولية أخرى يتحملها المسلمون بإزاء إخوانهم المسلمين.

يا إخوة الإسلام.. إذا توفرت لكم المعلومات عن حاجة هذه الشعوب المسلمة، وتوفرت لكم الأيدي والجمعيات الإسلامية والهيئات الموثوقة التي توصل هذه الصدقات إلى محتاجيها فأي عذر لكم عن الإحجام عن المساعدة، أولستم شهر الصيام تتذكرون حاجة النفس إلى الطعام حين صومكم، وقرقعة بطونكم؟ وتتذكرون حاجتها إلى الشراب حين يبس الشفاه، وشدة العطش؟ فتسلون أنفسكم بقرب الإفطار، وتوفره، فتذكروا حاجة هؤلاء منتظرون مدد السماء، وإعانات المحسنين وأهل البر والوفاء، أو لستم في فصول الشتاء تبحثون عن الفرش الوثيرة لتحتموا بها من لسع البرد القارص؟ فتذكروا من يشعرون بشعوركم ويحتاجون لحاجتكم أو أشد، لكنهم لا يملكون ما به يتدثرون، وينتظرون العون ممن أفاء الله عليهم وفتح عليهم ما لم يفتح على غيرهم.

شهر الصيام جدير بتذكيرنا بهذه المعاني وأكثر لمن تأمل وتدبر، أما الذين ينتهي تفكيرهم في الصيام عند الإمساك عند الفجر، والإفطار عند تحقق الغروب، دون إحساس بالحكمة والسر العظيم من وراء ذلك، فما فقه هؤلاء حكمة الصيام، ما بالله حاجة أن يدع المرء طعامه وشرابه دون أن يورثه ذلك تقوى، تدعوه لفعل الخيرات، وتنأى به عن المحرمات، وتهذب نفسه، وترقق مشاعره، وتخفف من حدة الشح أو البخل المصاحبة للنفوس في غياب التقوى.

 

كتابة تعليق
الاسم:
العنوان:
تأثير نصي:صفحة انترنتبريد الكترونيخط عريضخط مائلنص تحته خطاقتباسكودفتح قائمةعناصر القائمةإغلاق القائمة
التعليق:

 

طباعة

4838  زائر

إرسال


 
 

الشباب إيجابيات وسلبيات ، نماذج وتوصيات
***

من يظلم المرأة 2-2
***

دروس من قصة موسى عليه السلام
***